الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية يوسف شاهدا على هزيمته: "أنا يوسف يا أبي الباجي والذئب أرحم عليّ من إخوتي"! بقلم الكاتب شوقي برنوصي

نشر في  04 أكتوبر 2019  (11:53)

   بقلم الكاتب شوقي برنوصي

يعدّ يوسف الشاهد -رئيس الحكومة- الخاسر الأكبر بعد نتائج انتخابات الرئاسة التونسيّة. عجز السياسيّ الفتيُّ عن استقطاب شريحة كبرى من ناخبين اعتبروه السبب في الواقع الاقتصاديّ المتردّي وحالة الاحتقان المتفشّية وسط الأوساط السياسيّة والاجتماعيّة، خاصّة وأنّ كلّ الأرقام تؤكّد ذلك.

لمع نجم يوسف الشاهد سريعا سياسيّا، بعد أن نجح رئيس الدولة المتوفّى حديثا الباجي قائد السبسي في الوصول إلى رئاسة الجمهوريّة في انتخابات 2014. رشّحه لخطّة كاتب دولة مكلّفا بالصيد البحري بوزارة الفلاحة ثمّ وزيرا للتنمية المحليّة ثمّ فرضه في رئاسة الحكومة، رغم أنّ المهندس الفلاحيّ والأستاذ الجامعيّ في نفس الاختصاص لم يكن من القيادات الفاعلة والمؤثّرة في الحزب الحاكم آنذاك نداء تونس.

لو اعتبرنا أنّ السبسي بمثابة النبيّ يعقوب فإنّ الشاهد لن يكون «يوسف» الخاصّ به-سياسيّا طبعا- بل كان لديه تحت إمرته أسماء أقدر وأكفأ منه. كان الباجي قائد السبسي يبحث حينها عن «ابن بارّ» طيّع ومطيع ينفّذ أوامره، حتّى يهيمن على الساحة السياسيّة في ظلّ شحّ الصلاحيّات الخاصّة برئيس الجمهوريّة التي منحها الدستور الجديد للبلاد.

«أنا يوسف يا أبي!»

صادق مجلس النواب التونسي على تعيين يوسف الشاهد رئيس الوزراء خلفا لسلفه الحبيب الصيد أواخر أوت 2016. تفاءل التونسيّون بوجود شاب في الأربعين من عمره على رأس الحكومة، وتفاعل الشاب الطموح مع هذا الشعور العام بالارتياح ونجح في تنظيم مؤتمر تونس 2020 وحصوله على اتّفاقيّات وتعهّدات من دول ومنظّمات مانحة تقدّر ب34 مليار دينار تونسي(ما يقارب 10 مليار يورو).

شنّ بعد ذلك حملة إيقافات في إطار حملة محاربته للفساد. حملة قادت إلى القبض على رجل الأعمال شفيق جراية في ماي 2017 ، الذي فَرَضَ الشاهد على الرئيس السبسي كما صرّح بذلك سليم الرياحي رجل الأعمال والسياسيّ التونسيّ في حوار تلفزيّ. تمكّن يوسف الشاهد فعلا من كسب بعض الثقة وبدأ يتغلغل تدريجيّا في مفاصل الدولة، وذلك عبر استقطاب إطارات الدولة وتفكيك بعض أحزاب الائتلاف الحكوميّ من الداخل بضمّ عديد القيادات منها وإضعاف حزبه الحاكم «نداء تونس».

اختتم كلّ ذلك بالتحالف مع حركة النهضة يد الإخوان المسلمين في تونس، لينقلب على الباجي قائد السبسي ويدخل في صراع معه متعلّلا بأنّ الرئيس يريد توريث السلطة لولده حافظ. رمى الشاهد كلّ من ينتقده بالحصى عبر تحالفه مع بعض الإعلاميين والذباب الالكتروني الناشط على مواقع التواصل الاجتماعي، وادّعى أنّ إخوته -في الاتجاه السياسيّ- لا يحبّونه ويريدونه أن يموت ويرمونه بالحصى والكلام دائما ويريدون إيقاعه في الجبّ!

البقرات السمان والبقرات العجاف!

وعد يوسف الشاهد التونسيّين منذ تنصيبه بالرخاء، لكن الواقع كان يشي بعكس هذا. ارتفعت نسبة المديونيّة في عهده (قاربت ال75 في المائة) وتهاوى الدينار التونسيّ مقارنة بالعملات الأجنبيّة وارتفع العجز التجاريّ ونسبة التضخّم وتقلّص مخزون العملة الصعبة إلى أدنى مستوياته وارتفعت الأسعار. كان يعد مواطنيه كلّ مرّة بتحسّن الأحوال في السنة القادمة، وبلغت به الوقاحة إلى استشراف للسنوات ما بعد 2020 قائلا في أحد التصريحات «ستأخذ كلّ المؤشّرات الاقتصاديّة اللّون الأخضر في 2020».

ضوء أخضر اشتعل فعلا لبعضهم بالفعل! أحاط يوسف الشاهد نفسه بمجموعة من السياسيّين ورجال الأعمال الذين تتعلّق بهم شبهات فساد. ارتكزت عمليّة الاستقطاب أساسا على تهديدهم بملفّات تخصّهم أو إغراءات وتسهيلات استثمار. 

أبرز مثال عن ذلك رجل الأعمال مروان مبروك -صهر زين العابدين بن علي رئيس تونس قبل 2011- الذي تمّ حذف اسمه من قائمة رجال الأعمال ال48 الذين جمّد الاتحاد الأوروبي أموالهم في الخارج  بطلب من يوسف الشاهد نفسه. كان المبروك الداعم الرئيسيّ لحملته الانتخابيّة في الرئاسيّات.  أمّا أولئك الذين رفضوا محاولاته لاستمالتهم فقد بثّ أعوانه ورجال بوليس متواطئين، وذلك لأجل تلفيق قضايا أخلاقيّة وابتزازهم بها.  حضّر بعض من قاوموه حقائبهم للرحيل فعلا، في صورة نجاحه في الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة واستيلائه على دواليب الدولة عبر صناديق الاقتراع.

اعتبر الشاهد أرقامه دوما خضراء، لكن لونها عند التونسيّين كان يتغيّر تدريجيّا من الأصفر ثمّ إلى الأحمر. تعالت بعض الأصوات لإقالته حتّى الباجي قائد السبسي نفسه، لكن دعم حركة النهضة غير المشروط له وحيازته لكتلة نيابيّة كبيرة بعد استقطابه لعديد النوّاب جعل تطبيق مناورة رئيس الجمهوريّة مستحيلا. تسبّب كلّ ذلك بقطيعة بين السبسي والشاهد، الذي حاول عزل الرئيس في قصره وتهميش دوره في ظلّ انقسام حزبه. احتلّ «يوسف» تدريجيّا خلال فترة قصيرة مكان الذئب!

«يوسف» والذئب!

اقتربت الانتخابات الرئاسيّة في تونس، وتعاظم معها طموح «يوسف» الشاب في رأس السلطة. أشارت كلّ المؤشّرات بداية 2019 أنّه كان مرشّحا بارزا للفوز بها، وحتّى يضمن ذلك فكّر في إقصاء بعض الخصوم البارزين الذين ظهروا في بعض استطلاعات الرأي. حرصت كتلته في البرلمان، بالتواطؤ مع حركة النهضة، على تمرير قانون الإقصاء الذي يمكّن من رفع العتبة أوّلا وتحجير الترشّح على أسماء لامعة أهمّها نبيل القروي صاحب قناة «نسمة» وألفة ترّاس رئيسة جمعيّة «عيش تونسي». مرّر القانون فعلا وسط موجة رفض كبيرة، لكنّه اصطدم بتلكؤ رئيس الجمهوريّة على توقيعه ولم يتمّ تفعيل القانون.

ما لم يتوقّعه يوسف الشاهد هو وفاة الباجي قائد السبسي، نجح السياسيّ الشابّ في دفع دموعه دفعا خلال الجنازة المهيبة للرئيس الذي كان صاحب الفضل الكبير عليه. خلط رحيل السبسي جميع الأوراق وأجبر التونسيّين على خوض انتخابات رئاسيّة قبل موعدها. راقب «يوسف» أوّل فيلق للمترشّحين ولم يقدّم ترشّحه إلاّ في آخر يوم من تقديم الترشّحات. كان يتربّص بكلّ منافسيه مثل ذئب صيّاد! تراجعت ألفة ترّاس عن تقديم ترشّحها للرئاسة، اعتقد رئيس الوزراء أن تهديدا واحدا يقف في طريقه إلى الرئاسة ألا وهو نبيل القروي. تم اعتقال الرجل على قاعدة اتّهامه بشبهة تبييض أموال لم يبتّ فيها القضاء التونسيّ بعد، ورغم تبجّح الشاهد باستقلال القضاء فإنّ أغلب الملاحظين يعلمون أنّ الاعتقال كان سياسيّا بامتياز.

السقوط في الجبّ واتّهام الذئب.

سخّر يوسف الشاهد كلّ ما في وسعه خلال حملته الانتخابيّة، أعوان أجهزة الدولة وسيّاراتها وبعض المؤسّسات الإعلامية ووسائل الاتصال الاجتماعيّ التابعة لداعميه. كان يتحدّث دائما في تصريحاته عن تونس ما بعد سنة 2020، وَثِقَ بمروره إلى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسيّة على الأقلّ.

كان مزهوّا بانتصاره المتوقّع وهو ما أظهرته حواراته قبل موعد الصمت الانتخابيّ، لكنّه نسي أنّ التونسيّين قرّروا في قرارة أنفسهم معاقبة كلّ الطبقة السياسيّة ولغتهم الخشبيّة على بكرة أبيها -حكما ومعارضة- على حصيلتهم منذ 2011.

ظهرت النتائج وأفرزت صعود المترشّحيْن قيس سعيّد ونبيل القروي إلى الدور الثاني، واعترف الشاهد بهزيمته وأوشك على الصراخ مخاطبا روح السبسي« أبي، إخوتي لا يحبّونني!».  أيقن السياسيّ الصغير فعلا أنّ إخوته أوقعوه في الجبّ، وسوف يتّهمون فيما بعد « الذئب» بالتهام «يوسف».